إنهم يفرون بفعلتهم...إنهم يفخرون بفعلتهم

إنهم يفرون بفعلتهم...إنهم يفخرون بفعلتهم

مايو 15, 2022 - 22:56

بقلم الكاتب| محمد أبوغرارة

"دعنا نقضي وقتًا ممتعًا يا برو"

أذكر من سنوات تم إغلاق جزيرة الطريق السريع في طرابلس في منطقة غوط الشعال من قبل بعض الشباب الغاضبين المتحمسين، مما تسبب في زحمة أسطورية  في طرابلس...شلل فعلي.

أحد المشاركين في هذا الفعل العفوي كان شابًّا خريجاً من نفس كليتي، أخونا حكى لي أنه ببساطة اشترك معهم في الإغلاق؛ لأن أولاد الشارع أقفلوا الطريق وبدى له هذا الفعل "جو مليح" وشيئاً مرحاً و يقضى على الملل…فانطلق يشاركهم الجو الجميل.

صحيح أن سبب الإقفال الرئيسي كان بسبب اعتقال شخص من تلك المنطقة كان يدير كشك سجائر محترم؛ لكن صاحبنا لم يكن يعرفه ...فقط كان يمرح.

هيا  يا "برو" لا يمكنك أن تنكر أن هذا "جو مليح" إقفال أهم طريق في طرابلس ، وتكون مسؤولاً فيمر من تحب وتقفل الطريق في وجه من لا يعجبك شكله، هذه السلطة الكاملة على فضاء عام وآلاف البشر لابد أنها تجربة نفسية فريدة.

أصلاً لطالما اقتنص الليبي مثل هذه الفرص…في كل عرس تجد تلك المجموعة من الشباب الذين يتنافسون في من "يدير العار" أكثر ، وأوضح الصور تكون عند التنقل بالعريس "الزفة" بالسيارات ، يقفل أحدهم الشارع الرئيسي بسيارته و ينزل الشباب يرقص في تجرد تام عن أي شعور بالندم أو الخجل ، بل بسعادة غامرة غريبة تحسده عليها السبب المعلن هو "الفرح بالعريس".

لكنك تعرف أن هذا غير صحيح…إنه المرح ، إشباع لغريزة ما وهذه الغريزة تشبع أكثر ما تشبع عند "ديران العار".

في ذكرى (17) فبراير الماضية صادفت زميلاً "سجيناً" في سجن بوسليم أيام الاعتقال خلال الثورة كان هو من يوقف السيارات في البوابة …أنه سعد…نعم يا سادة "سعد" هذا نجم من نجوم ”ديران العار” قبل الثورة و باعترافاته في أوقات السمر في الزنزانة، تاجر "بوخا" وحبوب وحشيش يزاول عمله بإتقان، وفوق هذا هو شخص جريء وذكي ومبادر و سباق للتصعيد، حتى في السجن -رغم ضيق المساحة المتاحة للعار- كان يسارع لنزع ملابسه الفوقية ليبقى في البنطلون فقط عند بوادر أي شجار …وهو يطعن هذا "بسب الجلالة" والسبب معروف ، بث الوجل في قلوب الخصوم ؛ لأن من فوائد ديران العار هو الانتصارات النفسية.

زميل آخر عندما سألته عن سبب أثر كل تلك الغرز على محيط رقبته أجاب أنها (24) غرزة، وهي ناتجة عن طقس غريب يقوم به بعض الشجعان من السجناء الجنائيين، الأمر كالآتي : عندما يجد السجين نفسه في موقف ضعيف ومعرض فيه للخطر في السجن كان بعض المجانين منهم يخرج شفرة حلاقة -دائمًا هناك شفرة حلاقة مخبأة عند أي سجين تحت لسانه- يخرجها ويجرح بها ساعديه، فيخاف من أمامه سواء من السجناء أو الحراس ، وينقلب المشهد للهستيريا …نوع متقدم من "ديران العار كما ترون".

إلا أن صديقي كان مبدعًا ومستعداً لرفع الأمر لمستوى متقدم ، فأثناء التحقيق معه ومحاولة المحقق تلبيس تهمة خطيرة له على حسب تعبيره قام بالأمر، و بينما المحقق ينظر أخرج شفرة الحلاقة وذبح نفسه من الأذن إلى الأذن كما يقولون…و بمعجزة ما نجى صديقي مع ذكرى طيبة و سمعة جعلت كل المحققين يخافون منه؛ لهذا عندما أقول لك أن غريزة "ديران العار" في الليبيين شيء أصيل ، اعلم أني أتحدث بصدق.

هذا ما كان الليبييون يفعلونه في الأزمنة السابقة مع ما توفر عندهم من معدات بسيطة من شفرات حلاقة وفانيلات سهلة القلع وفيزقات (بندقية الصيد البحرية) و أما الآن فهو العصر الذهبي للعار عند حدوث أي إشكال بسيط يمكن حله بابتسامة أو اعتذار لا، تخرج المسدسات تحت الكراسي و ربما حتى (الآر بي جي) من صناديق السيارات في سباق في من يبدو أكثر جنونًا، حتى إن بعضهم قد يذهب بعيدًا ويحطم سيارته الخاصة ليعطي رسالة واضحة أنه مهبول و مستعد لخسارة أي شيء.

ولا تسأل يا وقح عن التفكير في العواقب حتى  "ادير العار" اللي عليك.

”صناعة الذكريات الجميلة“

لكن دعني أحدثك بمتعة تفوق ديران العار …أنها "لحديث عن ديران العار".
جلسات السمر في المناسبات و الزرادي حول نار الشاهي ،  واستحضار تلك الحوادث الجميلة والذكريات.

فمثلا : قد يحفز أحد الجالسين صديقه لحكاية أحد مغامرات "ديران العار" ومن المثير للأنس دائماً العودة للحكايات أكثر من مرة فيسأل صديقه الشامخ عن تلك المشكلة التي كانت بسبب سيارة تيوتا محل نزاع؟

طبعاً يضحك الشامخ حُسناً في حياء و حشم ويرد معتذراً:
"باهي شن بدير هي أني ما نتفاهمش ، وين نهبل ما نشوفش في حد قدامي، وهما ولعوني"
طبعاً ثمن أنه تم إغضابه "أنّ سيارات احترقت وموت وخراب بيوت".
وهو يحكي الحكاية ، وقتها حرفيًّا هو منتشي كأنه تنشق كيس إسمنت من الهروين.
 
 " العار كرصيد سياسي"

الأمر المؤلم و الذي يشعرني أن هناك في دمي سم أفعى مجلجلة أن آلامنا هي ذكريات جميلة للبعض .
وأنهم فعلاً ودائمًا يفلتون بفعلتهم دائما.

كل تلك السرقات …
كل تلك التفجيرات…
كل تلك الرقب التي طاحت…الناس التي عُذبت…
الجثث التي على الطريق يضرب فيها الريح.

أنها ذكريات سعيدة ومرحة لهم يحملونها معهم ، و يتفاخرون بها مثل نياشين الحروب حول المدفئة.
-هذا على صعيد المجرمين الصغار.

-أما على صعيد الفطاحلة ذوي ربطات العنق والبدل العسكرية أو من يرتدون الاثنين أو أصحاب الجرود فهي إنجازات… فهناك مستوى معين من العار المبهر، يؤهلك لأن تصبح جزءًا من المشهد السياسي الليبي المعتبر.

رصيدهم السياسي هو معدل العار اللي داروه ، وعلى قدر هذا الرصيد فأنه إما يُدعى إلى باريس وجينيف أو رصيده فقط يؤهله لتونس أو ربما مربوعة.

فالعار والعهر الإعلامي هو منتوج حرّ يجب أن تعترف به كجزء من المشهد المتجانس وتحترمه.

والأكثر جمالًا أنك الآن أنت مدعوّ ومجبر على الجلوس والحوار مع كل أباطرة العار والإجرام هؤلاء للخروج بتوافق وطني يحتوي الجميع ؛ لأننا جميعاً شركاء في الوطن.


(المقالات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع، بل عن رأي كاتبها)